حسن الأمين

253

مستدركات أعيان الشيعة

السنة كان الروس قد أعدوا خطة متقنة وحصلوا على معلومات كافية ، فمكنهم ذلك من مباغتة جيش « عباس ميرزا » نائب السلطنة في « أصلان دوز » فأوقعوا به هزيمة شديدة وكبدوه خسائر عظيمة ، فاضطر « عباس ميرزا » أن يتراجع إلى تبريز . وانتهت هذه الهزيمة بعقد معاهدة « گلستان » في 29 شوال سنة 1228 هالموافق 12 أكتوبر سنة 1813 م . في ذلك التاريخ كانت روسيا وفرنسا تتحاربان ، ونابليون يقود حملته على موسكو . وبين إنكلترا وروسيا علاقات صداقة ووفاق ، وإيران غافلة عن هذا الأمر . فأراد السفير الانكليزي « السيرغور أوزلي » أن تأمن روسيا جانب إيران وتنصرف كليا إلى محاربة نابليون . فحمل الصدر الأعظم « الميرزا محمد شفيع » ، وكان صنيعة الإنكليز مأجورا لهم ، على مصالحة الروس صلحا فيه خسارة لإيران وغنيمة لروسيا ، وأوعز إلى « الميرزا أبو الحسن خان الشيرازي » سفير إيران سابقا في إنكلترا ، وكان على شاكلة الصدر الأعظم في صلته بالانكليز ، أن يساعده في هذا المسعى ، وانتهى الأمر إلى عقد معاهدة « گلستان » ، وتنص المادة الثالثة منها على أن تتخلى إيران لروسيا عن ولايات « قراباغ » و « كنجه » و « شكي » و « شيروان » و « قبة » و « دربند » و « بادكوبا » وقسم من « طالش » و « داغستان » و « كرجستان » و « آشوقباش » و « كورنه » و « منكريل » و « أبخاز » . وتنص المادة الخامسة على منع إيران من اقتناء سفن حربية في بحر الخزر . ووقعت ، بعد هزيمة « أصلان دوز » وعقد معاهدة « گلستان » ، اضطرابات في إيران في خراسان وأسترآباد وغيرهما ، ولكنها أخمدت بسرعة . وفي سنة 1237 هسارت جماعة من باشاوات العثمانيين المعتبرين بجيش عدته سبعون ألف جندي إلى حدود إيران لاسترداد المدن التي كان الجيش الإيراني قد احتلها قبل عام في معركة حربية انهزم فيها العثمانيون . فخف « عباس ميرزا » نائب السلطنة إلى ملاقاتهم ، وأمده « الله يار خان دولو قاجار » الملقب ب « آصف الدولة » بجيش سار به من طهران عدته عشرة آلاف جندي بين فارس وراجل . وأراد الإيرانيون في ابتداء الأمر معالجة الموضوع بالصلح ، ولكن العثمانيين رفضوا ووقعت حرب انتهت إلى تغلب الجيش الإيراني على العثمانيين . ثم دخل عهد آخر من الحروب الروسية الإيرانية . بدأ سنة 1241 هوانتهى في الثالث من شهر ربيع الثاني سنة 1243 هباحتلال الروس لمدينة تبريز ، وكان « عباس ميرزا » قائد الجيش العام في هذا العهد . وأبدى شجاعة وإقداما فائقين حتى تمكن ، في أول الأمر ، من عبور نهر « أرس » وهزم العسكر الروسي واحتل مدينة « شوش » مقر حاكم « قراباغ » ، وكان الروس يحتلونها من سنة 1219 ه‍ . ثم أرسل فرقة من جيشه بقيادة ابنه الأكبر « محمد ميرزا » وخاله « أمير خان سردار قاجار » لاحتلال « كنجه » و « تفليس » . ولكن الجيش الروسي بتفوقه عددا وتنظيما قضى على هذه البعثة ، وقتل « أمير خان سردار » . وأراد « عباس ميرزا » تدارك هذه الخسارة فجمع جيشا سار به بنفسه من « شوش » لاحتلال « تفليس » . ويومئذ غيرت الحكومة الروسية قيادة جيشها فنصبت الجنرال « إيفان باسكييفيتش » قائدا له في مكان الجنرال « بيرمولوف » . وتهيأ القائد الجديد بقوة من المحاربين المتمرسين المنظمين لملاقاة عسكر « عباس ميرزا » . ووقعت بين العسكرين معركة شديدة أجاد فيها الإيرانيون القتال ، ولكنهم عجزوا عن مقاومة القوة الروسية وما كانت عليه من تفوق في العدد والتنظيم والمدفعية ، وقتل منهم آلاف الجنود . فاضطر « عباس ميرزا » إلى التراجع مع بقية السيف من جيشه إلى شاطئ نهر « أرس » . بعد هذه الهزائم انحصر أمل الدولة الإيرانية بجيش « إيروان » . وتقدم الروس إلى « إيروان » فدافع عنها جيشها دفاعا مجيدا ، وثبت المدافعون في وجه جيش الروس الجرار أربعة أشهر عجز فيها الروس عن احتلال المدينة . ولكن انقطاع طرق المواصلات بين « إيروان » وسائر النواحي من إيران انقطاعا كليا قطع عنها كل مدد من خارجها ، فاضطر المدافعون إلى التسليم . وحصل « باسكييفيتش » من دولته ، بعد هذا الفتح ، على لقب « فاتح إيروان » . وأراد الروس ، بعد احتلالهم تبريز ، احتلال العاصمة طهران . ولكن الإنكليز كانوا يرون أن الروس حسبهم ما احتلوا من بلاد ، وأن تقدمهم إلى أبعد من ذلك ينافي مصالحهم ، فتدخلوا يتوسطون للصلح . ولما رأى « عباس ميرزا » ما آلت إليه الحال اضطر مكرها إلى نفض يده من الحرب والقبول بالصلح ، وتعينت بلدة « دهخوارقان » مكانا لتلاقي الطرفين . وذهب « عباس ميرزا » مع جماعة من رجاله إليها ليفاوض الجنرال « باسكييفيتش » في موضوع عقد معاهدة الصلح . في هذه الأثناء ، إذ وصل خبر احتلال تبريز إلى طهران ، استدعى « فتح علي شاه » كل أبنائه والحكام أن يحضروا إلى طهران مع قواتهم العسكرية للدفاع . ومنهم ابنه « حسن علي ميرزا شجاع السلطنة » حاكم خراسان جاء إلى العاصمة بقوة منظمة رافعا راية سوداء من رايات الآستانة الرضوية ، عازما على متابعة حرب الروس . وفي طهران كان جماعة من مخالفي « عباس ميرزا » يفسدون أمره ويضادونه بحجة أنه انحاز إلى الروس وحالفهم ، والتفوا حول أخيه « شجاع السلطنة » وحسنوا له أن يطلب ولاية العهد لنفسه فانقاد لهم . وتفوه الشاه بكلمات تستشم منها قلة العناية بعباس ميرزا ، وأمر أبناءه باحترام « حسن علي ميرزا » . وتقرر أن يسير هذا بمن في طهران من العسكر إلى قزوين و « خمسه » لمتابعة محاربة الروس . ووصلت هذه الأخبار إلى « باسكييفيتش » ووصل معها خبر كاذب بان « عباس ميرزا » قد عزل من ولاية العهد ، فأوقف المفاوضة في موضوع عقد معاهدة الصلح وانصرف عن الاهتمام به . ورأى « عباس ميرزا » أن مقامه يتزعزع لما يجري في طهران وأن من الممكن أن يعزل من ولاية العهد وينصب غيره لها ، فانحاز إلى الروس وسالمهم ليستنصر بهم . واجتمع « السير ماكدونا لدكينر » سفير إنكلترا في طهران بالجنرال « باسكييفيتش » وقررا إيقاع الصلح بين روسيا وإيران . وكانت مفاوضات سابقة على هذا الأمر قد جرت بين لندن وبطرسبورغ بالطبع . وتعذر على الشاه المغلوب متابعة الحرب بسبب ضعف الجيش الإيراني وتضارب الآراء بين أولياء الأمور وعجزهم عن معرفة ما هم مكلفون به واختلال الأمن في بعض النواحي من إيران وإصرار الإنكليز والروس على سياستهم . ومن ثم انتهى الأمر إلى عقد معاهدة « تركمان شاي » بين روسيا